بن عيسى باطاهر

84

المقابلة في القرآن الكريم

أن يقيم الإسلام لوجود الشرّ علّة أو عللا ، إنه موجود وكفى « وحسبك من شرّ سماعه » والحزم كل الحزم في توقّيه ودفعه والخلاص منه « 1 » . وقد علّل الجاحظ ( - 255 ه ) هذا الامتزاج بين الخير والشر في الحياة بالمصلحة الإنسانية قال : « اعلم أن المصلحة في ابتداء أمر الدنيا إلى انقضاء مدّتها امتزاج الخير بالشرّ ، والضار بالنافع ، والمكروه بالسّار ، والضّعة بالرّفعة ، والكثرة بالقلّة ، ولو كان الشرّ صرفا لهلك الخلق ، أو كان خيرا محضا لسقطت المحنة ، وتعطلت أسباب الفكرة » « 2 » . إنّ المقابلة بين الخير والشرّ تقتضيها المصلحة ، ويقتضيها اختبار اللّه لقدرات البشر في حسن الاختيار لمنهج اللّه والخير الذي يحمله ، أو سوء الاختيار لمناهج أخرى توقع في الشر وتؤدي إلى الهلاك ، ومن هنا زاوج اللّه بين الأشياء ، وأقام الصراع بين الحق والباطل ، والخير والشرّ كل ذلك ليميّز الخبيث من الطيّب ، ويجازي كلّ واحد حسب اختياره ، واللّه سبحانه حين مزج الخير بالشرّ وقابل بينهما بيّن السّبل المؤدية إلى كليهما ، ووضّح الطرق التي تفضي إلى كل منهج حتى لا يتيه البشر حين يختارون ويوازنون ، ثمّ منح الإنسان من غرائز الفطرة التي تتحرك كلّما استدعاها الإنسان وضرب على أوتارها . إن الخير والشرّ هما ميزان الحياة الذي يقدّر به الإنسان كلّ شيء يأخذه أو يدعه . . الخير في كفة والشرّ في الكفة الأخرى ، هكذا تجري حياة الناس ، وهكذا تجري تصرفاتهم ، ويقع سلوكهم على حسب ما يشير إليه مؤشر الميزان ، من رجحان إحدى الكفتين على الأخرى « 3 » .

--> ( 1 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 3 - ص 889 . ( 2 ) الجاحظ - الحيوان - ج 1 - ص 96 . ( 3 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 3 - ص 876 .